القرطبي

284

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( وإن تعجب فعجب قولهم ) أي إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم الصادق الأمين فأعجب منه تكذيبهم بالبعث ، والله تعالى لا يتعجب ، ولا يجوز عليه التعجب ، لأنه تغير النفس بما تخفى أسبابه ( 1 ) ، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون . وقيل المعنى : أي إن عجبت يا محمد من إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني خالق السماوات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة فقولهم عجب يعجب منه الخلق ، لأن الإعادة في معنى الابتداء . وقيل : الآية في منكري الصانع ، أي إن تعجب من إنكارهم الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بد له من مغير فهو محل التعجب ، ونظم الآية يدل على الأول والثاني ، لقوله : ( أئذا كنا ترابا ) أي أنبعث إذا كنا ترابا ؟ ! . ( أئنا لفي خلق جديد ) وقرئ " إنا " . و ( الأغلال ) جمع غل ، وهو طوق تشد به اليد إلى العنق ، أي يغلون يوم القيامة ، بدليل قوله : " إذ الأغلال في أعناقهم " ( 2 ) [ غافر : 71 ] إلى قوله : " ثم في النار يسجرون " [ غافر : 72 ] . وقيل : الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم . قوله تعالى : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ( 6 ) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ( 7 ) قوله تعالى : ( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ) أي لفرط إنكارهم وتكذيبهم يطلبون العذاب ، قيل هو قولهم : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء " ( 3 ) [ الأنفال : 32 ] . قال قتادة : طلبوا العقوبة قبل العافية ، وقد حكم سبحانه بتأخير العقوبة عن هذه الأمة إلى يوم القيامة . وقيل : " قبل الحسنة " أي قبل الإيمان الذي يرجى به الأمان والحسنات . ( والمثلات ) العقوبات ، الواحدة مثلة . ورى عن الأعمش أنه قرأ " المثلات " بضم الميم وإسكان الثاء ، وهذا جمع مثلة ، ويجوز

--> ( 1 ) في ح‍ الجمل عن القرطبي : العجب تغير النفس بما تخفى أسبابه وذلك في حق الله تعالى محال . ( 2 ) راجع ج 15 ص 332 . ( 3 ) راجع ج 7 ص 398 .